فخر الدين الرازي

5

تفسير الرازي

لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ) * . اعلم أن قوله : * ( وهذا كتاب ) * لا شك أن المراد هو القرآن وفائدة وصفه بأنه مبارك أنه ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ، أو المراد أنه كثير الخير والنفع . ثم قال : * ( فاتبعوه ) * والمراد ظاهر . ثم قال : * ( واتقوا لعلكم ترحمون ) * أي لكي ترحموا . وفيه ثلاثة أقوال : قيل اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة ، وقيل : اتقوا لترحموا ، أي ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله ، وقيل : اتقوا لترحموا جزاء على التقوى . ثم قال تعالى : * ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) * وفيه وجوه : الوجه الأول : قال الكسائي والفراء ، والتقدير : أنزلناه لئلا تقولوا ، ثم حذف الجار وحرف النفي ، كقوله : * ( يبين الله لكم أن تضلوا ) * ( النساء : 176 ) وقوله : * ( رواسي أن تميد بكم ) * ( النحل : 15 ) أي لئلا . والوجه الثاني : وهو قول البصريين معناه : أنزلناه كراهة أن تقولوا ولا يجيزون إضمار " لا " فإنه لا يجوز أن يقال : جئت أن أكرمك بمعنى : أن لا أكرمك ، وقد ذكرنا تحقيق هذه المسألة في آخر سورة النساء . والوجه الثالث : قال الفراء : يجوز أن يكون " إن " متعلقة باتقوا ، والتأويل : واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب . البحث الثاني : قوله : * ( أن تقولوا ) * خطاب لأهل مكة ، والمعنى : كراهة أن يقول أهل مكة أنزل الكتاب ، وهو التوراة والإنجيل على طائفتين من قبلنا ، وهم اليهود والنصارى ، وإن كنا " إن " هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والأصل وأنه كنا عن دراستهم لغافلين ، والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد كي لا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما ، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم وقوله : * ( وإن كنا عن دراستهم لغافلين ) * أي لا نعلم ما هي ، لأن كتابهم ما كان بلغتنا ، ومعنى أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ، مفسر للأول في أن معناه لئلا يقولوا ويحتجوا بذلك ، ثم بين تعالى قطع احتجاجهم بهذا ، وقال : * ( فقد جاءكم بينة من ربكم ) * وهو القرآن وما جاء به الرسول * ( وهدى ورحمة ) * . فإن قيل : البينة والهدى واحد ، فما الفائدة في التكرير ؟